العيني
266
عمدة القاري
وإمَّا فداءً ) * ( محمد : 4 ) . وهو قول مجاهد . وقال غيرهم : إن الآيتين جميعاً محكمتان ، وهو قول ابن زيد ، وهو قول صحيح بين ، لأن إحداها لا تنفي الأخرى ، ينظر الإمام في ذلك مما يراه مصلحة ، أما القتل وإما الفداء أو المن ، وكذا قال أبو عبيد بن سلام ، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور ، قال : وقد فعل هذا كله سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في حروبه . وقال الطحاوي اختلف قول أبي حنيفة في هذا ، فروي عنه : أن الأسرى لا تفادى ولا يردون حرباً ، لأن في ذلك قوة لأهل الحرب ، وإنما يفادون بالمال وما سواه مما لا قوة لهم فيه ، وروي عنه : أنه لا بأس أن يفادى بالمشركين أسارى المسلمين ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، ورأى أبو حنيفة أن المن منسوخ ، وقيل : كان خاصاً بسيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو عبيد : والقول في ذلك عندنا أن الآيات جميعاً محكمات لا منسوخ فيهن ، وذلك أنه عمل بالآيات كلها من القتل والأسر والفداء حتى توفاه الله تعالى على ذلك ، فكان أول أحكامه فيهم يوم بدر ، فعمل بها كلها يومئذ ، بدأ بالقتل فقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث في قفوله ، ثم قدم المدينة فحكم في سائرهم بالفداء ، ثم حكَّم يوم بني قريظة سعد بن معاذ ، رضي الله تعالى عنه ، فقتل المقاتلة وسبى الذرية ، فنفذه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم وأمضاه ، ثم كانت غزاة بني المصطلق ، رهط جويرية بنت الحارث ، فاستحياهم جميعاً وأعتقهم ، ثم كان فتح مكة فأمر بقتل ابن خطل والقينتين وأطلق الباقين ، ثم كانت حنين فسبى هوازن ومن عليهم وقتل أباغرة الجمحي يوم أحد وقد كان منَّ عليه يوم بدر ، وأطلق ثمامة بن أثال ، فهذه كانت أحكامه ، عليه الصلاة والسلام ، بالمن والفداء والقتل ، فليس شيء منها منسوخاً ، والأمر فيهم إلى الإمام وهو مخير بن القتل والمن والفداء ، يفعل الأفضل في ذلك للإسلام وأهله ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور . انتهى . وقال أصحابنا : لا يجوز مفاداة أسرى المشركين ، قال الله تعالى : * ( فاقتلوا المشركين حين وجدتموهم ) * ( التوبة : 5 ) . الآية . وقوله تعالى : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ) * ( التوبة : 92 ) . وما ورد في أسرى بدر كله منسوخ ، ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد سورة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخاً للفداء المذكور في غيرها . 151 ( ( بابٌ : لِلأَسِيرِ أنْ يَقْتلَ أو يَخْدَعَ الَّذِينَ أسَرُوهُ حتَّى يَنْجُو مِنَ الكَفَرَةِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه هل للأسير في أيدي الكفار أن يقتل . . . إلخ ، وإنما لم يذكر الجواب لمكان الاختلاف في ، فقال الجمهور : إن ائتمنوه يفي لهم بالعهد ، حتى قال مالك : لا يجوز أن يهرب منهم ، وخالفه أشهب فقال : لو خرج به الكافر ليفادى به فله أن يقتله . وقال أبو حنيفة : إعطاؤه العهد على ذلك باطل ، ويجوز له أن لا يفي لهم به ، وبه قال الطبري . وقالت الشافعية : يجوز أن يهرب من أيديهم ولا يجوز أن يأخذ من أموالهم ، قالوا : وإن لم يكن بينهم عهد جاز له أن يتخلص منهم بكل طريق ، ولو بالقتل وأخذ المال وتحريق الدار وغير ذلك ، وقال ابن المواز : إذا ألجؤه أن يحلف أن لا يهرب بطلاق أو عتاق أنه لا يلزمه ذلك لأنه مكروه ، ورواه أبو زيد عن ابن القاسم . وقال غيره : لا معنى لمن فرق بين يمينه ووعده ، لأن حاله حال المكره حلف لهم أو وعدهم أو عاهدهم سواء أمنوه أو أخافوه ، لأن الله تعالى فرض على المؤمن أن لا يبقى تحت أحكام الكفار ، وأوجب عليه الهجرة من دارهم ، فخروجه على كل وجه جائز ، والحجة في ذلك خروج من أبي بصير ، وتصويب النبي صلى الله عليه وسلم ، فعله ورضاه . فِيهِ المِسْوَرُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أي : في حكم هذا الباب حديث المسور بن مخرمة ، وفيه قصة أبي بصير ، وقد مر حديثه في كتاب الشروط في : باب الشروط في الجهاد ، مطولاً جداً ، ومن أمره يؤخذ وجه المطابقة لما ترجم له . 251 ( ( بابٌ إذَا حَرَّقَ المُشْرِكُ المُسْلِمَ هَلْ يُحَرِّقُ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا أحرق المشرك الرجل المسلم ، هل يحرق هذا المشرك جزاءً بفعله ؟ وأحرق يحرق من باب الأفعال ، وفي بعض النسخ : إذا حرق ، بتشديد الراء ، من التحريق ، وكذلك : يحرق ، بالتشديد قيل : كان اللائق أن يذكر هذه